editorbet giriş Deneme Bonusu veren siteler editorbet giriş

غروكوبيديا و أزمة المعرفة في عصرنا

حين دخلت ويكيبيديا حياتنا عام 2001 أعادت تشكيل علاقة البشر بالمعرفة وبسبل الوصول إليها. فخلال سنوات قليلة، تجاوز حضورها موسوعة «إنكارتا» التابعة لمايكروسوفت، كما تخطت الموسوعة البريتانيكا العريقة. وكانت امتدادًا لمحاولة قامت بها Encyclopedia.com عام 1998 لإنشاء مستودع معرفي متاح للجمهور عبر الإنترنت، غير أنّ ويكيبيديا أحدثت تحولًا حقيقيًا حين تبنّت نموذجًا معرفيًا يقوم على المشاركة الحرة والعمل التعاوني وفق فلسفة «الويكي»، وهي كلمة من لغة هاواي تعني «سريع»، في جمع المعلومات وتنظيمها.

وقد أتاح هذا النموذج للناس العاديين أن يصبحوا شركاء في إنتاج المعرفة إلى جانب المحرّرين، متحديًا بذلك قرونًا من الاحتكار المؤسساتي والنخبي لعملية صناعة المعرفة وعلى الرغم من سنوات طويلة من الجدل والانتقادات والخلافات القانونية وحملات الحظر التي فرضتها بعض الدول، ظلّت المنصة قادرة على الصمود والاستمرار.

واعتبارًا من العاشر من نوفمبر 2025، باتت ويكيبيديا تُنشر بما يقارب ثلاثمئة لغة، فيما تضم النسخة الإنجليزية وحدها أكثر من سبعة ملايين مقالة، لتكون ضمن أكثر المواقع زيارة في العالم على نحو مستمر.

انطلاقة غروكوبيديا

مع إطلاق إيلون ماسك، أغنى رجال العالم وأحد أبرز منتقدي ويكيبيديا، لمشروع غروكيبيديا، وهي موسوعة إلكترونية تعتمد على الذكاء الاصطناعي وطوِّرت ضمن شركة xAI، وجدت ويكيبيديا نفسها أمام منافس جديد في فضاء المعرفة الرقمية.

وعلى خلاف ويكيبيديا التي يقوم ملايين المتطوعين بتحرير مقالاتها ومراجعتها بصورة متواصلة، لا تتيح غروكيبيديا التحرير المباشر؛ فدور المستخدم يقتصر على الإبلاغ عن الأخطاء، بينما تبقى سلطة التعديل محصورة في المنصة نفسها.

وقد صرّح ماسك في الثامن عشر من أكتوبر بأن غاية غروك وغروكيبيديا هي: » الحقيقة، الحقيقة كاملةً، ولا شيء غير الحقيقة. «

غير أنّ السؤال الذي بات يطرح نفسه هو:  هل ستستطيع غروكيبيديا حقًا أن تفي بهذا الوعد؟

الانتقادات والجدل

ما إن انطلقت غروكيبيديا حتى لاحظ المتابعون للمنصة بأنّ جزءًا كبيرًا من محتواها بدا شديد الشبه بمحتوى ويكيبيديا، بل مطابقًا له في بعض المواضع.

وليس ذلك بالأمر المستهجن، فالنماذج اللغوية الضخمة مثل Grok  تُدرَّب تدريبًا مكثفاً على ويكيبيديا وغيرها من البيانات مفتوحة المصدر.

وقد أثار منتقدوا المنصّة مخاوف تتعلق بموضوع الدقة والتحيز و"هلوسات" الذكاء الاصطناعي. وهي مخاوف تعزّزها سوابق Grok  نفسه حين قدّم مخرجات خاطئة في ما مضى. لكنّ الإشكال لا يقتصر على الأخطاء المتصلة بالحقائق فقط، إذ إن انطلاقة غروكيبيديا أعادت إشعال معركة أيديولوجية أعمق تُشكّل جانبًا واسعًا من ملامح الإنترنت المعاصر: "الصراع الثقافي والسياسي بين التيار الغربي اليميني ونظيره اليساري"

صراع الأيديولوجيات

ومنذ الوهلة الأولى للانطلاقة، قدّم ماسك غروكيبيديا بوصفها ردًّا مباشرًا على ما يراه انحيازًا “صحويًّا” في ويكيبيديا، ولم يتردد في تسميتها ساخرًا بـ "ووكبيديا" موسوعة منحازة للخطاب التقدّمي أو اليساري ومثلما فعل عند استحواذه على منصة تويتر (X)، انطلقت غروكيبيديا من رغبة في كسر ما يصفه بالهيمنة الليبرالية على الخطاب الرقمي.

وفي المقابل، اتهم محللون غربيون من ذوي التوجهات اليسارية المشروع الجديد بأنه يروّج لرؤى يمينية. كما انتقد ناشطون من مجتمع الميم استخدامه بعض المصطلحات المهينة، ورأى آخرون أن المنصة تُظهر ميلًا لتمرير آراء ماسك الشخصية بصورة انتقائية. وتشير تقارير إلى أنّ عددًا من مداخل غروكيبيديا يتخذ نبرة حذرة أو اعتذارية عند تناول القضايا التي تشهد توترًا بين المحافظين الأمريكيين والمؤسسات الأكاديمية ذات التوجه الليبرالي.

وتدلّ بعض المقالات فعلًا على انعكاس رؤية ماسك الفكرية؛ فالموقع يعرض مثلًا »نظرية إبادة العرق الأبيض المصنّفة في ويكيبيديا على أنها نظرية مؤامرة دُحضت مرارًا« "بوصفها طرحًا يستند إلى معطيات تجريبية".

ومع أن الدراسات طالما أظهرت ميل ويكيبيديا الطفيف نحو الخطاب الديمقراطي أو اليساري، وهو ما أشار إليه حتى المؤسّس المشارك لاري سانجر، فإن غروكيبيديا تتموضع على الجهة المقابلة تمامًا. ومع ذلك، وعلى الرغم من تأكيد ماسك المستمر على الحياد، إلا أن مشروعه لا يزال معرّضًا لخطر استبدال نمط من التحيّز بنمط موازٍ.

يكشف لنا هذا التنافس بين غروكيبيديا وويكيبيديا حقيقة راسخة: أن المعرفة لم تكن يومًا على معزلٍ تامٍ عن الأيديولوجيات، ولن تكون كذلك ولا حتى في  المستقبل القريب.

من يصوغ المعرفة؟

ترجع كلمة » موسوعة« إلى الأصل اليوناني enkyklios paideia، وتعني «التعليم الشامل». وعلى مدى القرون الطويلة الماضية، كانت الموسوعات تسعى إلى جمع المعارف البشرية وتصنيفها في بناء واحد متكامل.

ثم ما لبث أن جاء الإنترنت وقلَب هذا النسق رأسًا على عقب؛ فالموسوعات المتاحة للجمهور، مثل ويكيبيديا، جعلت المعرفة الأكاديمية في متناول كل من يملك اتصالًا بالشبكة. وعلى هذا الصدد فقد نشأ بين غوغل وويكيبيديا نوع من التعاضد؛ إذ يرفع غوغل مقالات ويكيبيديا في نتائج البحث، وسمعة ويكيبيديا تمنح منظومة معلومات غوغل وزنًا واعتباراً.

ومع تطور هذا الفضاء الرقمي قدّمت غروكيبيديا  نفسها على أنها «مجموعة معرفية شاملة»، بينما عرّفت ويكيبيديا ذاتها بأنها «موسوعة حرّة»، ولا يزال هذا التباين بينهما يفتح الباب أمام أسئلة ملحة:

أي معرفة تمثلها هذه المنصات؟ ومن يصوغها؟ وما حدود حريتها؟

يكشف استطلاع أجرته مؤسسة ويكيميديا عام 2020 أن 55.9٪  من محرّري ويكيبيديا ينحدرون من أوروبا، و19٪ من آسيا، و12٪ من أمريكا الشمالية؛ ما يعني أن حضور الجنوب العالمي ضئيل في إنتاج هذه المعرفة. وليس من المرجّح أن تغيّر غروكيبيديا هذا الواقع؛ إذ تشير الأبحاث إلى أنه كلما ابتعدت ثقافة ما عن النموذج الأمريكي، قلّ انسجام نموذج الذكاء الاصطناعي— ومنها  GPT مع طرائق تفكير تلك الثقافة.

ومع احتدام النفوذ الذي يمارسه المليارديرات الأمريكيون على الفضاء الرقمي—من منصات التواصل إلى النظم المعرفية القائمة على الذكاء الاصطناعي—تتزايد المخاوف من تراجع التنوّع الثقافي واستقلال الرؤية المعرفية.

وفي نهاية المطاف، تظلّ كل من ويكيبيديا وغروكيبيديا نتاجًا ثقافيًا غربيًا خالصًا، صاغه أفراد تتحكم في آفاقهم المعرفية تصورات غربية النشأة والسياسة والتاريخ.

وللمفارقة، يكشف الاطلاع على مدخلي «الموسوعة» في المنصتين، خلال الأسبوع الأول من نوفمبر 2025، غيابًا كاملًا للإشارة إلى التراث الموسوعي في الحضارة الإسلامية من الأندلس إلى آسيا الوسطى. فلا ذكر لكون ابن سينا ألّف واحدة من أوسع الموسوعات الطبية قبل العصور الحديثة، ولا لإسهام الإدريسي والأشبلي وابن البيطار في وضع مصنفات لغوية متعددة في النبات والزراعة، ولا لجهود الجزري الذي وضع أسس الهندسة الميكانيكية قبل قرون من انطلاقة النهضة الأوروبية.

المعرفة الرقمية والعالم الإسلامي

يشير هذا الغياب إلى مشكلة أعمق ألا وهي: الدور الهامشي الذي يشغله المسلمون في تشكيل البنى المعرفية الحديثة.  فخلافًا لأسلافهم من العلماء والمصنفين، لا يكاد يظهر في عالم اليوم مفكرون أو مؤسسات إسلامية تقود مشروعات كبرى في فضاء المعرفة الرقمية.

وقد بدأت آثار هذا التقصير تتكشف بوضوح. ولعلّ الأنشطة الصهيونية تعد مثالاً صارخاً على ذلك. فقد أغلقت ويكيبيديا مؤقتًا صفحة » إبادة غزة« بين 28 أكتوبر و5 نوفمبر بحجة «ضبط الحياد». وفي تقرير لقناة TRT World، بدا أنّ مداخل غروكيبيديا تتخذ نبرة مؤيدة لإسرائيل. فإذا أمكن التهوين من مقتل آلاف الفلسطينيين بلغة تحريرية مراوغة، فأيّ أمل يبقى لعرض منصف للإسلام والمسلمين؟.

ومن الأمثلة الدالة على هذا  ما أشار إليه الناقد ماتّيو وونغ؛ لافتاً النظر إلى أنّ مدخل «الإسلام» في غروكيبيديا يثير تساؤلًا حول «مدى توافق الإسلام جوهريًا مع الديمقراطية الليبرالية». وهذا النمط من الأسئلة يتكرر كثيرًا في دوائر غربية ذات نزعة معادية للإسلام، لكنه لا يجد صدًى لدى المسلمين؛ فالإسلام لا يُقاس بميزان أيديولوجي، ولا يُعاد تشكيله ليتماشى مع منظومات فكرية أخرى، بل يقوم على أسسه الأخلاقية والحضارية الراسخة.

أمام هذا المشهد، يبرز سؤال لا يمكننا تجاهله: حين تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي مستقبلًا على أرشيف رقمي يحمل هذا القدر من الانحياز، أيّ نسخة من التاريخ ستقدمها للأجيال القادمة؟

ولعلّ الوقت قد آن ليبادر المسلمون—علماء ومفكرين ومهندسين وجماعات—إلى استعادة زمام هذا الأمر، وإلى إنتاج معرفة تستند إلى تراثهم الفكري، لا معرفة تمرّ عبر مصفاة المنظورات الغربية.

نهايةً، فإن التنافس بين ويكيبيديا وغروكيبيديا ليس صراعًا على «الحقائق» ولا على «الخوارزميات» فحسب، بل هو صراع يتمحور حول  "من يملك حقّ صوغ الحقيقة في العصر الرقمي، وأيّ صوت سيستقر في وعي المستقبل؟"

 

ترجمة: غزل القاسم