﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾
[سورة الأحزاب: الآية 23]
أعلنت حركة حماس عن استشهاد أبي عبيدة، وأوضح المتحدث الرسمي للحركة أنه سيتولى مهمة الناطق الإعلامي بعده. وبيّن أن الشهيد أبا عبيدة قد أدار العمل الإعلامي لكتائب القسام بأسلوب متميز وبكفاءة عالية.
ويُعدّ أبو عبيدة (بالعربية: أبو عبيدة) من أبرز القيادات في جهاد غزة بفلسطين، حيث كان له دور بارز في إدارة الملفات الإعلامية وإيصال رسائل المقاومة بكل وضوح وقوة.
رضيَ الله عنه وعن أهله.
وقد اشتهر أبو عبيدة على وجه الخصوص بتصريحاته التي كان يدلي بها بصفته المتحدث الرسمي باسم كتائب عزّ الدين القسّام، الجناح العسكري لحركة حماس. وكان لتلك التصريحات أثر بالغ؛ إذ بثّت الخوف في صفوف العدو، وطمأنت قلوب المجاهدين والمسلمين، ورفعت من معنوياتهم.
وفي معركة غزة، حرص المسلمون الذين لم يكن بوسعهم المشاركة الفعلية على متابعة خطاباته باهتمام بالغ، مستمدّين من كلماته الأمل والرجاء. وبعد السابع من أكتوبر، أصبح أبو عبيدة الوجه الأبرز والأكثر حضورًا في هذه المعركة.
وقد حُفِظت هويته طيلة هذه الفترة في طيّ الكتمان، تفاديًا لأن يكون هدفًا مباشرًا للاستخبارات الإسرائيلية. ونظرًا لسرية هويته وظروف المواجهة، ظلّت المعلومات المتعلقة بحياته الخاصة محدودة؛ إذ لم يظهر يومًا دون قناع، حرصًا على سلامة أسرته من أي أذى. ومع ذلك، جعلت خطاباته وموقفه الرمزي منه شخصيةً محطّ متابعة واهتمام داخل المنطقة وعلى الساحة الدولية.
وُلِد أبو عبيدة عام 1984م في مخيم جباليا للاجئين. وبعد إتمامه المرحلتين الابتدائية والثانوية، التحق بالجامعة الإسلامية في غزة، حيث نال درجة الماجستير في تفسير القرآن الكريم.
وخلال سنوات الانتفاضة الثانية عام 2000م، انضم أبو عبيدة إلى حركة حماس، ثم تولّى عام 2004م مهمة الناطق الإعلامي لكتائب القسّام. وظهر للمرة الأولى أمام وسائل الإعلام للإدلاء بتصريحاته خلال عملية «أيام الغضب» في العام ذاته.
ومنذ ظهوره الإعلامي الأول وحتى عام 2025م، واصل أبو عبيدة، على مدى نحو واحدٍ وعشرين عامًا، الإدلاء بتصريحات متعلقة بقطاع غزة، مسلّطًا الضوء على تطورات المقاومة وأوضاع الشعب الفلسطيني. وبعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023م، ارتقى أبو عبيدة شهيدًا، شأنه شأن عدد كبير من المجاهدين، جراء الهجمات الإسرائيلية.
وكان الاسم الحقيقي لأبي عبيدة هو حذيفة سمير عبد الله الكحلوت. وقد تعرّض منزله للقصف الجوي الإسرائيلي مراتٍ عدة في أعوام 2008م و2012م و2014م. وفي الهجوم الأخير، وبسبب تسريب معلومات من أحد المتعاونين، استُهدف المبنى الذي كان يتواجد فيه أبو عبيدة، والذي كان يضم قرابة أربعين شخصًا، غالبيتهم من النساء والأطفال، مستخدمين في ذلك سلاحًا محظورًا.
وفي مساء يوم السبت، 30 أغسطس/آب 2025م، وقعت الخيانة التي لا تُغتفر. فإسرائيل لطالما ضربت من الخلف، مستخدمةً الخونة والعملاء. وفي ذلك اليوم، استُهدِف أبو عبيدة نتيجة خيانة أحد العملاء الذين تم شراؤهم؛ إذ قام هذا المتعاون الخائن بإبلاغ جهاز الشاباك بمكان وجود المقاوم المقنّع.
وقد رأت الاستخبارات الإسرائيلية في هذا البلاغ فرصةً نادرة طال انتظارها، خاصة بعد مرور أربع عشرة محاولة اغتيال فاشلة سابقة.
ودُمِّر المبنى بالكامل؛ إذ إنهم جبناء منزوعو الإنسانية. فالإله الذي يزعمون الإيمان به يأمرهم — بزعمهم — بذلك. وفي نهاية المطاف، سُوِّي المبنى بالأرض باستخدام قنابل محرّمة. غير أن التحريم — في منطقهم — لا يُراعى إلا للضعفاء. فهؤلاء المخلوقات المنسلخة من الإنسانية، التي لعنها الله الرحمن الرحيم، لا تعرف حظرًا ولا قاعدة ولا خُلُقًا ولا أخلاقًا ولا التزامًا أخلاقيًا. وبالنسبة لهؤلاء المتوحشين الذين يقيمون أعيادهم على دماء الأطفال، كان ينبغي — في تصورهم — أن يُقتل الجميع.
وقد أُلقيت قنابل حرارية (ثرموبارية) من الطائرات، ما أسفر عن استشهاد أربعين مدنيًا بريئًا، كان من بينهم ثلاثون طفلًا وامرأة.
وكان أبو عبيدة أحد أبرز وجوه غزة. وحين ارتقى شهيدًا عن عمر أربعين عامًا، استُشهدت إلى جانبه زوجته وأطفاله: ليان، ومنّة الله، ويامن. وقد مثّلت شهادتهم صفحةً مؤلمة في سجلّ المعاناة الإنسانية، وبقيت رمزًا لما خلّفته تلك الأحداث من أثرٍ عميق في الذاكرة الجماعية.
لقد غفل أولئك عن دروس التاريخ وما تركته وقائعه من عبر، غير أنّ هذه الأحداث تبقى حاضرة في الذاكرة ولا تُنسى. فالتاريخ يُدوَّن، والظلم — مهما طال — لا يدوم. وسيأتي يومٌ تُستعاد فيه الحقوق وتُسمَع فيه أنّات المظلومين.
وفي هذا السياق، أصبح أبو عبيدة في القرن الحادي والعشرين رمزًا مؤثرًا في وجدان كثير من الشباب المسلمين؛ إذ تنتشر صوره المقنّعة على القمصان والملصقات في الساحات العامة، وتُنشَد الأناشيد التي تستحضر حضوره، بل وتُستخدم صوره فواصلَ للكتب. وهو ما يعكس مكانته الرمزية وتأثيره الثقافي في الوعي العام.
يا من تورّطتم في سفك الدماء، إنّ زمن الاستخفاف بوعي هذه الأمة قد ولّى. فلا تنخدعوا بما يوفّره لكم الدعم الدولي، ولا بما يمنحه لكم الوقوف السياسي من خلفكم. فقد أسقط أبو عبيدة، بقناعه، الأقنعةَ عن الوجوه أمام شعوب العالم، وكشف حقيقة ما كان يُوارى.
ومهما اصطفّ إلى جانبكم من باعوا ضمائرهم، مأخوذين ببريق الشهرة والسلطة والمصالح، فإن صورتكم في الوعي الإنساني لم تعد كما كانت، ولن يكون الحضور في العالم بعد اليوم خاليًا من المساءلة والرفض.
لم يَعُد الرفض مقتصرًا على المسلمين وحدهم، بل اتّسع ليشمل كلَّ من يحمل حسًّا إنسانيًا وقيمًا أخلاقية. فقد بات الوجود في الفضاء العام العالمي محفوفًا بالانتقاد والمساءلة، حيث تتكرّر مظاهر الرفض الشعبي كلما انكشفت الهوية الإسرائيلية، في أماكن مختلفة من العالم، من تايلاند إلى كوريا واليابان وغيرها.
وفي هذا السياق، لم تَعُد الأقنعة التي طالما أُخفيت خلفها السياسات فاعلة؛ إذ أسهم الظهور الرمزي لأبي عبيدة، بقناعه، في كشف الصورة أمام الرأي العام العالمي، وترسيخ وعيٍ أوسع بحقائق كانت تُوارى طويلًا.
أسهم الظهور الرمزي لأبي عبيدة، بقناعه، في كشف ما كان مستترًا من صورٍ وخطابات أمام الرأي العام. فمهما تعدّدت أساليب المكر، يبقى الحقُّ ظاهرًا، وتظلّ العدالة الإلهية حاضرة في ميزان التاريخ.
ومهما جرى توظيف النفوذ أو استمالة بعض القيادات بدوافع المصالح والشهوات، فإن عددَ الذين يوفون بعهدهم مع الله ورسوله في ازدياد. كما أنّ أصحاب القيم الإنسانية لن يقفوا موقف اللامبالاة؛ إذ يواصلون مساءلة الظلم ورفضه، ويؤكدون أن السكون عنه ليس خيارًا.
نحن الذين نموت ألف مرة وننهض ألف مرة؛ فالأبطال الذين استُشهدوا مثل أبي عبيدة لا يموتون، فهم شهداء خالدون. وقد أكمل أبو عبيدة رحلة نفيه في هذه الدنيا، فأصبح بجوار حوض الكوثر ومع قائدنا، نبينا محمد ﷺ.
لقد رأينا صورته وهو شهيد، مبتسمًا، يضحك، بجانب زوجته وأطفاله. وقبل استشهاده، تلقّى بشرى الشهادة من أخي زوجته، لتكون ختامًا لمسيرة حياةٍ مليئة بالإيمان والثبات على العهد مع الله ورسوله.
ويذكر الدكتور منذر العمودي أن رسول الله ﷺ ظهر له في حلمه وقال له: «أنت اليوم شهيد». يا لها من بشارة عظيمة أن ينالها المرء في حياته! نسأل الله أن يجعلنا نحن أيضًا من الذين بُشّروا بالشهادة وهم في هذه الدنيا.
وأما من تورّطوا في سفك الدماء وخيانة القيم، فلتعلموا أن الخوف قد حلّ اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى.
إن في هذه الأمة ملياراتٍ من المؤمنين الذين يؤمنون بوعد الله بالشهادة. فلا تفرحوا؛ فهذه الحياة ما هي إلا مهلة محددة بقدر ما أذن الله بها، ثم تُطوى حسابات أولئك الكافرين. ونيل الشهادة لا يكون إلا بالعيش حياة الشهداء، حياةً قائمة على الثبات على المبادئ والإخلاص لله ورسوله.
إن تقديم الله ورسوله على كل شيء، وعدم الانشغال بالدنيا وما فيها، وإعطاء القيمة فقط لما يرضي الله، هو السبيل لتحقيق هذا الهدف العظيم. وبالطبع، إذا وُجد نموذج مثل أبي عبيدة، فإن تربيته وبنيته الإيمانية وفكره تصبح عناصر أساسية لفهم هذا المسار وتجسيده في الواقع.
كان أبو عبيدة مسلمًا واعيًا، مؤمنًا تمام الإيمان بالله ورسوله، يعيش وفق ما يؤمن به، ويُستشهَد كما عاش، ثابتًا على مبادئه حتى النهاية. لقد أفنى نفسه في طلب العلوم الإسلامية والسعي لتحصيلها، وحرص على تزويد روحه ومعرفته بها.
وقد عاش ما تعلّمه بالفعل، وإذا استمعنا إلى خطاباته نجد أنه كان يتمتع بإيمانٍ راسخ وإخلاصٍ عميق. فقد تلقّى تعليمه منذ سنوات طفولته في المسجد، واهتم بمشكلات الناس في الحي المرتكز حول المسجد، فكانت تجربته الحياتية امتدادًا طبيعيًا لما تعلّمه على الصعيدين العلمي والروحي.
ويمكن استشفاف نوعية تعليمه وعمق وعيه وصلابة إصراره وقوة عزيمته من خلال حديثه وخطاباته العلنية.
ففي عام 2020م، وعقب إعلان إسرائيل ضمَّ الضفة الغربية، صرّح بأن المقاومة ستواصل حماية الشعب الفلسطيني بإخلاص، محذرًا من أن هذا القرار ستكون له تبعات جسيمة، وواصفًا إياه بأنه إعلان حرب.
وفي عام 2021م، وعلى إثر الهجوم الإسرائيلي، أدلى بتصريحاتٍ لافتة عبّر فيها عن جاهزية الرد، مشيرًا إلى إمكانية استهداف عدد من المدن الإسرائيلية، ومؤكدًا أن الرد لن تحكمه خطوط حمراء.
وعقب التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، قال إن ما جرى تم — بحسب تعبيره — بعون الله، معتبرًا أن ذلك أسهم في إلحاق ضررٍ معنوي بالجيش الإسرائيلي.
الترجمة: آية السنتلي
0 تعليق