مفهوم بعل وتجلياته في قضية إبستين

أحدثت الوثائق التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية بشأن قضية "إبستين"  زلزالاً عصف بالكثير من الروايات المتداولة منذ زمن طويل؛ فحرّك ما سكن وزعزع ما استقرّ من الآراء، وأثار في الرأي العام دهشةً تتبعها دهشة، ومسائلَ يتولد بعضها من بعض. فما لبثت الألسنة أن خاضت، والأقلام أن كتبت، والظنون أن تشعّبت، حتى غدا الأمر حديث الساعة.وانكشف من وراء تلك الأوراق قومٌ كانوا قد أحاطوا أنفسهم بهالةٍ من العظمة، كأنهم سادة هذا العالم، تُنسج حولهم الحكايات، وتُتداول في شأنهم أخبار العلاقات الغامضة والصلات المعتمة. فلما أزيح عنهم شيءٌ من الستر، انفتحت المنصات الرقمية على سيلٍ من القراءات والتعليقات، وكان من بينها ما دار حول كلمةٍ قديمة في مبناها، بعيدة في معناها:  كلمة «بعل».

وقد شاع بين الناس خبر رسالةٍ نُسبت إلى جيفري إبستين، يُطلب فيها إجراء تحويلٍ مالي عبر موظفٍ في بنك «جي بي مورجان» القائم على تدبير شؤونه المالية. فوقف بعض القرّاء عند عبارةٍ وردت في الرسالة، فقرؤوها «Baal name»، وظنّوا أن الاسم مقصودٌ لذاته، وأن في التسمية إشارةً لا تخلو من معنى. غير أن الفاحص المتأني والناظر الذي لا يستعجل الحكم يكشف أن الوثيقة قد ذابت حروفها واختلطت بفعل المسح الضوئي، وأنها لا تحتمل ما حُمِّلت عليه؛ إذ ليست العبارة إلا «Bank name» التبست حروفها فاشتبهت على القارئ.

ومع هذا، فإن الالتفات الشديد إلى لفظة «بعل» ليس خاليًا من الدلالة؛ إذ إن الكلمة في أصلها ذات تاريخٍ طويل في ضمير اللغة والعقيدة، ارتبطت في سياقاتٍ شتى بمفهوم السيادة والسلطان. فإذا استُحضرت في قضيةٍ تتشابك فيها خيوط المال والسياسة والفكر، لم يكن عجبًا أن تتعلّق بها الأذهان، وأن تُكسى من المعاني ما يتجاوز ظاهر الحروف، فتغدو الكلمة مرآةً تعكس ما في النفوس من تصوّرات عن السلطة، وما في العقول من بحثٍ دائم عن سرّ النفوذ وسلطان الزيف.

. ما معنى «بعل»؟

كلمة «بعل» من الألفاظ السامية القديمة، وقد استُعملت في نطاقٍ دلالي يدور حول معاني السيادة والملكية والهيمنة. وتفيد المعطيات الفيلولوجية أن اللفظة استُعملت في مقابلة العبد للدلالة على السيد، وفي مقابلة المرأة للدلالة على الزوج، وفي نطاق الجماعة للدلالة على الحاكم أو المتصرف في الشأن العام. أما في السياق اللاهوتي، فقد وردت اسماً لعدد من الأصنام في بيئاتٍ دينية متعددة. وتُنطق الكلمة في العربية والأمهرية «بَعْل»، وفي العبرية «بَعَل»، وفي الآرامية والسريانية «بِعِل» أو «بِئِل» بحسب اختلاف اللهجات.

تَرِدُ كلمة «بعل» في النصوص المقدسة على وجوهٍ متعددة بحسب السياق. ففي الاستعمالات القديمة ارتبطت أحيانًا بعناصر جغرافية معيّنة، فكانت تُستعمل بمعنى «إله ذلك الموضع». ومن ذلك ما جاء في سفر العدد      25: 1-3 من أن بني إسرائيل انحرفوا حين أقاموا في شطّيم، فزَنَوا مع نساء موآب، وتأثروا بهن حتى ارتبطوا بـ«بعل فغور». و«فغور» اسمُ جبلٍ أو موضعٍ هناك، ومنه جاءت التسمية.

وللكلمة كذلك صيغة فعلية في العبرية تدل على معنى الزواج واتخاذ الزوجة. ومن أمثلة ذلك ما ورد في سفر التثنية 24:1 في العبارة: «كِي يِقَّح إيش إيشاه، وبَعالاه»، أي «إذا أخذ رجلٌ امرأةً وصار زوجًا لها»، حيث استُعمل الفعل المشتق من «بعل» للدلالة على صيرورة الرجل زوجًا.

وفي التراث اليهودي استُعملت كلمة «بعل» بمعنى «السيد» في عدد من التراكيب الاصطلاحية. فمن ذلك «بعل شِم» (Baal Shem)، أي «سيد الاسم»، وهو لقب يُطلق على من يُعتقد أنه يستعمل الأسماء الإلهية الخفية لإحداث خوارق. وكذلك «بعل هبيت» (Baal ha-Bayit)، ومعناه ربّ البيت أو صاحب الدار، وقد انتقلت هذه الكلمة إلى الإنجليزية بصيغة «balebos» مع تطور الاستعمال اللغوي عبر الزمن.

وقد وردت الكلمة في القرآن الكريم على وجهين: أحدهما بمعنى «الزوج»، والآخر عَلَمًا على الصنم الذي كان قومُ إلياس عليه السلام يتعبدونه، كما في قوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ (الصافات: 125). وقد نصّ المفسرون على أن هذا الاستعمال لم يكن طارئًا على اللسان العربي، بل هو جارٍ في لغاتهم قبل الإسلام؛ فكانت الكلمة تدور في أصلها على معنى الربوبية والسيادة والملك. وقد نقل الطبري وغيره أن «بعل» في لغة أهل اليمن يُستعمل بمعنى «الرب»، حتى يُقال: من بعل هذا الشيء؟ أي من مالكه وربّه.

ولفظ «بعل» في العربية من الألفاظ المتشعّبة الدلالة؛ فهو يُطلق على الزوج، وعلى مالك الشيء، وربّ الدار، كما يُقال لما ارتفع من الأرض بعل، ويُسمّى الزرع الذي يشرب بعروقه من غير سقي زرعًا بعليًا. وهذا الاتساع الدلالي يكشف عن محورٍ معنويٍّ جامعٍ تدور عليه الكلمة، وهو معنى العلوّ والتصرف والهيمنة.

وقد اختلف السلف في المراد بـ«بعل» في الآية: فقال قومٌ هو اسم صنمٍ بعينه، وربما نُسب إليه موضع بعلبك، وقال آخرون هو بمعنى «رب» على لغة بعض العرب. ولا تعارض بين القولين؛ إذ قد يكون الاسم علمًا على معبودٍ مخصوص، مأخوذًا في أصله من معنى السيادة.

ومن ثمّ فإن القرآن حين واجه هذا التصور الوثني لم يكتفِ بإنكار الفعل، بل أبطل الأساس المفهومي الذي يقوم عليه، فقال: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾، فقرّر أن الربوبية الحقّة، والملك المطلق، والخلق المحكم، إنما هي لله وحده، لا لما يتوهم فيه معنى السيادة من حجرٍ أو تمثال.

وفي الاستعمال الحديث، انتقلت كلمة «بعل» إلى اللغات الأوروبية، ولا سيما الإنجليزية، حيث تُدرج في المعاجم بوصفها اسمًا لإلهٍ محليٍّ ذي أصول كنعانية وفينيقية، ومنها اشتُقّ مصطلح «البعلية» (Baalism) للدلالة على الأنماط الدينية المرتبطة بذلك الإرث الوثني القديم.

جزيرة إبستين والبَعْليّة

ينبغي أن يُستحضر في الذهن أن لفظ «بعل» الوارد في وثائق إبستين قد لا يعدو أن يكون خطأً في القراءة. غير أن هذا الاحتمال لا يمنع من النظر إلى حياة إبستين ومن دار في فلكه نظراً رمزياً في ضوء مفهوم «البَعْليّة». فكما أن لكلمة «بعل» طبقاتٍ لغوية ولاهوتية متعددة، فإن ما تكشّف من أخبار تلك الجزيرة يشير إلى أزمةٍ شديدة  في تصوّر الملكية والهيمنة والأخلاق. وإن العناصر التي تجمّعت حول جيفري إبستين، بوصفه «ربّ الدار» في تلك الجزيرة، تُذكّر في بعض وجوهها بالمعاني الفيلولوجية التي تحملها لفظة «بعل»، من شهوةٍ جامحة وسلطانٍ موهوم.

أما الشهوة، فإن «بَعْليّة» ذلك المحيط تبدو وكأنها تردّد صدى قصة بعل فغور، التي صوّرت انحدار الإنسان حين تستبدّ به الرغبات حتى تجرّه إلى سقوطٍ أخلاقي. فما انكشف من شبكات دعارة، وادعاءات اعتداء على القاصرين، وعلاقات خارجة عن كل معيار قيمي، وصور من الانحراف الذي لا يستقيم مع فطرةٍ سليمة، إنما يمثل وجهاً حديثاً لذلك الانحدار. والعجيب أن أشخاصاً عُرفوا في مجتمعاتهم بالوجاهة والمكانة لم يسلموا من الانجراف وراء هذه الشهوة، كما انجرف من قبلُ بعض بني إسرائيل وراء إغواء نساء موآب، فمالوا إلى بعل فغور.

وأما الوجه الثاني فهو سلطانٌ زائف. فقد كشفت هذه القضية أن من يُظن أنهم يمسكون بزمام التأثير في العالم ليسوا إلا أسرى وهمٍ عابر بالقوة. تتشبث بصورةٍ صنعتها لنفسها، ثم صدّقتها.إن تأليه المال، وتعظيم الشهرة، وتقديس النفوذ، لا يعدو أن يكون محاولةً لإضفاء صفة المطلق على نظامٍ صنعه الإنسان بيده. وقد أظهرت الوثائق المنشورة أن ثمة مسعى لإقامة شبكةٍ من التأثير تقوم على المال والسلطة، تمتد من عالم الترفيه إلى ميادين العلم والمال. حيث يُراد توجيه المسارات وفق ميزان المصالح ويُغفل فيها ميزان الحق.. ومن الشواهد الدالة في هذا السياق ما صدر عن الصحفية فيكتوريا هيرفي، التي كانت على علاقة سابقة بالأمير البريطاني أندرو، حين قالت إن المرء إذا كان مشهورًا ولم يَرِد اسمه في ملفات إبستين فذلك إهانة له. وهذه الكلمة على قصرها تكشف عن عقليةٍ ترى في الذكر والظهور غايةً تُطلب لذاتها، حتى لو كان الطريق إليها مثقلًا بالشبهات؛ فتصير الشهرة في تلك الدوائر قيمةً قائمة بذاتها، لا يُنظر معها إلى معيار الخلق أو المبدأ.

غير أنّ الحقَّ أحقُّ أن يُتَّبع، وأولى أن يُذكَّر به، وهو أن كل سلطانٍ يُبنى على زخرفٍ من دنيا أو نفوذٍ من بشر، إنما هو ظلٌّ زائل، وسحابةٌ عابرة، مهما طال مقامها في الأعين. قال تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ﴾، فجعل البقاء لما كان منه، وجعل الفناء لما كان من الناس. فأيُّ عقلٍ يستبدل الباقي بالفاني، ويؤثر الظلَّ على الأصل؟

وأتباعُ «البَعْليّة» في كل صورةٍ من صورها القديمة والحديثة يظنون أن أوثانهم تملك لهم نفعًا أو تدفع عنهم ضرًّا، وأن المال إذا اجتمع، والنفوذ إذا اكتمل، قام مقام الربوبية في حياة البشر. وما ذاك إلا وهمٌ يتضخّم في النفوس حتى يُلبِسها ثوب السيادة، فإذا مُحّص انكشف عن خواء. فالملك الحقّ لله وحده، والسلطان المطلق له، وهو «الملك» الذي لا يُنازع، و«الربّ» الذي لا يُغالب، وتمام الملك وعدل الحكم لا يكونان إلا له.

تبقى من هنا صيحةُ إلياس عليه السلام حيّةً في كل زمان: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾. ولا تُعدّ خطابًا لقومٍ مضوا فحسب، بل تمثّل مساءلةً متجدّدةً لكل إنسان في كل عصر: أَيُسلِّم قلبه لما يُزيَّن له من شهوةٍ وجاهٍ وسطوة، أم يُقيم حياته على ميزانٍ ربّانيٍّ يزن الأشياء بقدرها ويضعها في مواضعها؟ وهنا موضع الفصل، وهنا تُعرَف قيمة الإنسان: بين من يُؤثر الوهم فيتبعه، ومن يُبصر الحقَّ فينقاد له.

تمت الترجمة  بعون الله في 25 شعبان 1447هــــ  الموافق 13 فبراير 2026م

ترجمة: أمينة القاسم