قبل أيام قليلة، حُكم على الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي بالسجن خمس سنوات من قبل المحكمة الجنائية في باريس بتهمة التآمر الجنائي المرتبط بتلقي تمويلات من الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي. وقد كان ساركوزي شخصية بارزة في المشهد السياسي الفرنسي لعقود؛ إذ بدأ مسيرته رئيسًا لبلدية نويي سور سين بين عامي 1983 و2002، ثم تولى وزارة الميزانية عام 1993، ووزارة الداخلية عام 2002.
انتُخب رئيسًا للجمهورية عام 2007، وشهدت ولايته إصلاحات اقتصادية واسعة وتحديات كبيرة تزامنت مع الأزمة المالية العالمية عام 2008. وبعد خروجه من المنصب عام 2012، طغت على مساره السياسي سلسلة من القضايا القضائية، من بينها قضية بيتانكور، وفضيحة تمويل حملة بيغمليون، وصولًا إلى قضية تمويل القذافي الحالية.
غير أنّ اتهام ساركوزي لا يقتصر على فساد شخصي يتعلق به وحده، بل يطرح أيضًا أسئلة مقلقة حول السياسة الخارجية الفرنسية والطرائق المعتمة التي تُدار بها لعبة القوة على المستوى العالمي. فكيف انتهى الرئيس الفرنسي الأسبق في عهدة الشرطة؟
انكشاف القذافي
في عام 2011، أي قبل سبعة أشهر من مقتله، صدم قائد الجماهيرية الليبية السابق معمر القذافي الرأي العام الفرنسي حين أعلن أنه موَّل الحملة الرئاسية لنيكولا ساركوزي. وفي 28 أبريل 2012، بين جولتي الانتخابات الرئاسية الفرنسية، نشر موقع ميديا بارت الاستقصائي مذكرة قيل إنها وثيقة رسمية تُثبت وجود اتفاق لتمويل حملة ساركوزي لعام 2007 بمبلغ يصل إلى خمسين مليون يورو.
ولفهم مزاعم التمويل الليبي فهمًا كاملًا، لا بد من النظر إلى السياق السياسي الأوسع وإلى التدهور المتسارع في العلاقة بين الرجلين. فبدا أنّ ساركوزي قد انقلب على حليفه السابق. ومع مرور الوقت تكشفت المسارات التاريخية التي أفضت إلى سقوط القذافي ومقتله في أكتوبر 2011، وهي تطورات لم تكن مفاجئة في ظل الدعم الفرنسي للثوار الليبيين خلال تلك المرحلة.
وقد كانت الطائرات الفرنسية من أوائل من شنّ ضربات ضد قوات القذافي في مارس 2011 بعد صدور تفويض من الأمم المتحدة بالتدخل العسكري في ليبيا. واللافت في هذا السياق، تلك المزاعم التي تتهم ساركوزي بإصدار أوامر مباشرة بتصفية القذافي. وعلى الرغم من نفي السلطات الفرنسية لهذه الاتهامات، فإن محمود جبريل رئيس الوزراء الانتقالي بعد إسقاط القذافي صرّح للتلفزيون المصري عام 2012 قائلًا: «كان هناك عميل أجنبي اندس بين كتائب الثوار ليقتل القذافي». ومن هنا برزت روايات تشير إلى أن عملية الإعدام ربما كانت تهدف إلى منع القذافي من كشف معلومات محرجة تتعلق بتمويل حملة ساركوزي.
ساركوزي وأزمة ساحل العاج الرئاسية عام 2011
لم يمرّ الحكم النهائي الصادر بحق نيكولا ساركوزي دون ردود فعل غاضبة في ساحل العاج؛ إذ رأى كثيرون أن إدانته تعيد إلى الواجهة دوره في المآلات العنيفة لأزمة عام 2011، ولا سيما في الإطاحة بالرئيس السابق لوران غباغبو. وفي هذا السياق، صرّح أهوا دون ميلو، الوزير السابق للبنى التحتية الاقتصادية والمتحدث باسم حكومة غباغبو ونائب رئيس حزب الشعب الإفريقي، بأن «عدو اليسار الإيفواري وإفريقيا ذات السيادة قد جرى تحييده»، معتبرًا ذلك «خطوة صائبة»، رغم تأكيده أن «هذا الحكم لا يعكس حجم الجرائم التي ارتكبها ساركوزي في ساحل العاج وليبيا ومنطقة الساحل، ولا يتناسب مع المآسي التي ما زال الإرهابيون يقترفونها منذ سقوط القذافي ».
ويعود هذا الموقف الحاد إلى الدور المباشر الذي لعبه ساركوزي في إقصاء غباغبو في أبريل 2011، بعدما تفاخر أمام الإعلام الغربي بأنه أطاح به لصالح الحسن واتارا. وقد تفجّرت الأزمة الإيفوارية نتيجة ذلك التدخل؛ إذ كتب ساركوزي، من دون سند قانوني، إلى اللجنة الانتخابية المستقلة مطالبًا إياها بإعلان النتائج، على الرغم من أنها فقدت السيطرة على العملية بسبب الضغوط الزمنية المفروضة عليها.
الخاتمة
تكشف إدانة ساركوزي جانبًا آخر من ازدواجية القوة في الغرب؛ فقد كان، شأنه شأن كثير من القادة الغربيين، يوجّه النصائح لإفريقيا في شؤون الحكم، بينما يقف اليوم مدانًا أمام قضائه الوطني. وتذكّرنا مسيرته بأن الخطابات البراقة عن «نشر الديمقراطية» كثيرًا ما تُخفي وراءها شبكات متداخلة من الطمع والتلاعب والخيانة.
ومع أنّ الحكم الصادر بحقه جاء متأخرًا وغير كافٍ، فإن مثوله أمام العدالة يبعث إشارة لا تخطئها العين؛ إذ يظلّ في أفق الزمن وعدٌ بأن العدالة، وإن تأخرت، لا تغيب، وأن من ارتكبوا المظالم في إفريقيا وسواها لن يفلتوا إلى الأبد من مساءلة التاريخ
ترجمة: غزل القاسم
0 تعليق